هشام جعيط

107

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

عن يمين ذلك إلى منقطع رحبة علي بن أبي طالب عليه السلام والرّحبة قبلته ثم مد به فكانت قبلة المسجد إلى الرّحبة وميمنة القصر » « 1 » . وهذا يعني أنها تمتد إلى الجنوب الغربي من المسجد وإلى غرب القصر . ماذا كانت تمثل الرّحبة ؟ إذا ما صدقنا سيفا ، فلا بد أنها كانت تحتل الزاوية التي يحددها الحائط الجنوبي للمسجد والحائط الموجود غرب القصر . والرّحبة ظاهرة مدنية عادية تتمثل في ترك فضاء ما أمام البنايات العمومية . أمّا أن يقع الاختيار على مكان يتواجد فيه أو يتواصل المسجد والقصر ، بمعنى المكان الذي يشتركان فيه ، إن صح القول ، فهو أمر طبيعي جدّا . إنه الخلاء المفتوح انفتاحا كاملا ، وهو يذكّر بالساحة العامة agora عند اليونان ، وبالميدان عند الفرس ، وبالساحة العامة Forum عند الرّومان . ويمكن أن يذكّرنا كذلك بالساحة الحمراء أو بساحة تيان آن من : هذه ظاهرة عالمية مستمرة بصورة ملحوظة عبر الزمان . وقد ارتبطت الرّحبة في المصادر باسم عليّ ، لأن عليّا كان يسكن فيها ( في بيت من قصب ، كما ذكرت إحدى الروايات ) ، ولأنّه ترك القصر مدّة ، ليس لأنه أسس الرحبة التي كانت سابقة له . وقد جعل منها ماسينيون فرعا أو إفرازا للقصر ، وماثلها بالميدان ، « الميدان الذي كان يفتح عليه القصر غربا ( بمصطبة مركزية كانت تعد خلال الاحتفالات الكبرى ) ، وقد تسمى أيضا رحبة عليّ » « 2 » . والواقع إذا كان للرّحبة أن تلعب دور المكان المخصص للاحتفالات العسكرية ، واستعراض الجيوش ، فإنها تظهر بالأخص امتدادا للمسجد . ولعلها صارت كذلك ، لأن الشهادات التي وصلت إلى علمنا متأخرة . وبالفعل ، ظهرت رحاب المسجد في الحواضر الإسلامية الكبرى خلال القرنين الأول والثاني للهجرة . فكانت توجد بالمدينة رحبة القضاء للتحكيم الذي تم على يديّ عبد الرحمن بن عوف ، بين عثمان وعليّ سنة 23 ه / 644 ، وقد كانت ملاصقة للمسجد « 3 » . وفي سنة 145 ه / 762 ، وقعت فتنة بالمدينة أيضا ، فأمر الوالي الرجال المسلحين الذين قدموا لنجدته بأن يترقبوا طلوع النهار ليشرعوا في قمع العصاة ، وأن يحطوا الرحال بالرّحبة « 4 » . وفي بغداد اجتمع بعض الأشخاص وقرروا الانتفاض في رحبة الجامع « 5 » ، داخل المدينة التي تميزت عن الأرباض في

--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 46 . ( 2 ) Massignon , art . cit . , p . 51 . ( 3 ) الطبري ، التاريخ ، ج 4 ، ص 237 . ( 4 ) المرجع نفسه ، ج 7 ، ص 554 . ( 5 ) الطبري ، التاريخ ، ج 9 ، ص 358 .